
١. يظل الأدباء العرب المعاصِرون، موتى أكانوا أم أحياء، غير مترجَمين إلى الإنجليزية أو سواها من لغات «الأدب العالمي» إلا جزئيًا وفي الأروقة الخلفية البعيدة عن مراكز «صناعة النشر». لكثير من هؤلاء الكتاب أعمال كبيرة وممتعة، ليس حقيقيًا على الإطلاق أنها لا تهم «القارئ الغربي» لصفة فيها، لكنّ تجاهلَها من جانب القائمين على الذوق الأدبي و«حرّاس البوابات» – إحجام هؤلاء عمليًا عن أي شيء أبعد من آداب اللغات «العالمية» المعتَمدة: اللغات الأوروبية الكبرى زائد اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية – يضمن أن يظل العرب خارج بقعة الضوء، لا يعامَلون كأنداد أو شركاء لنظرائهم في «العالم». الحقيقة أنه، ومنذ خليل جبران تقريبًا، لم يظهر اسم عربي في الواجهات الغربية إلا لسبب «سياسي» أو إثر حدث كبير وكارثي على الأرجح. ولا سُمح بانتشار كتابة عربية «معقّدة» تعقيد نظيرتها الغربية، أو تَطرح رؤية تخالف مقولات الغرب الثقافية والأخلاقية (مرة أخرى باستثناءات نادرة عادة ما يسبقها قرار سياسي أو حتى مخابراتي!) سؤالي الوحيد: لماذا يساهم النشر العربي في إهانة آداب وأدباء لغته سواء أعبر استنساخ هايراركيات النشر الغربي أو تبني نظرته الفوقية، المستغنية تُجاه كتابتنا؟
٢. يحدث ربما كل قرن مرة أن يتطابق صوت أدبي عربي مع آخر غير عربي عبر الترجمة. ويكون سِحرًا خالصًا. كارول صنصور التي تعلّمت اليونانية الحديثة إثر انتقالها إلى آثينا عن طريق قراءة وترجمة الشاعرة ونجمة السينما اليونانية كاترينا غوغو (١٩٤٠-١٩٩٣) هي صوت كاترينا العربي. وكاترينا – وهي مناضِلة أناركية مدمنة انتهت حياتها بالانتحار – تمثّل تجرِبةً بالغة الأهمية في سياق التحولات العربية الحالية، ليس لأنها عاشت ظروفًا موازية لظروف الحركة النسوية ويسار السبعينيات في مجتمع شبيه بمجتمعاتنا ولكنْ لأنّ حياتَها وأعمالها تعرِض لكل الأسئلة «الجندرية» و«الراديكالية» التي تتبنّاها خطابات «الربيع» التحررية من مَنافيها الغربية وبقوة «فنداتها» الموجّهة، دونما تقترب مجرد اقتراب من الحياة الجنسية أو الاقتصادية التي تثار حولها أسئلة. فبينما يتباله الربيع عن واقعه منبطحًا للاستهلاكية والإسلام السياسي، تمثّل هذه الترجمات تجسُّدًا ملهِمًا لتحديات المرأة والثورة بلُغة كأنّها لغتُنا الآن. لماذا إذًا – أم أنّ هذا هو السبب! – لم يهتمْ أحد بنشر أعمال كاترينا في عربية كارول مع أن كارول حاولت مع أكثر من جهة على مدى سنين؟ وكل الذين حاولت معهم نشروا غثاء «نسويًا» و«ثوريًا» في الفترة عينها.
٣. يبدو لي أن المرحوم مهاب نصر (١٩٦٢-٢٠٢٣) قدّم إحدى أعظم التجارب الشعرية العربية منذ تسعينيّات القرن الماضي، لكن قصائده الفارقة لا تزال موزّعة على ديوانين غير متوفرين وغير محتفى بهما صدرا في حياته عن الهيئة العامة للكتاب. هذا، في مقابل كتابين جديدين أصدرهما «بيت الحكمة» يجمعان مقالات «نظرية» حرّرها مينا ناجي كما هو مثبت على الغلافين. وعلى ما فيها من ومضات ذكية، ورغم أهميتها كمادة مصاحبة للشعر، لا يبدو لي أن هذه المقالات تمثّل مساهمة مبتكرة أو سائغة أو تعكس موهبة مهاب. كان أمر انشغاله بها وحساسيته من نقدها مَثار اندهاش وخلاف أيام كنا صديقين، قبل أن يفرّق بيننا مَن فرّق، ليس لأن فيها إطنابًا و«لعبكة» غير ضرورية ولكن لأن أسئلتَها الصعبة، وهي موضوعات فكرية مثارة منذ عقود، تُطرَح بلا أي سياق تاريخ معرفي، وكأن أحدًا لم يسألْها من قبل. وبصرف النظر عن الملابسات التي أدت إلى انعزال مهاب وارتباك اتصاله بمحيطه الأدبي، شيء مذهل ومحزن حقًا أن يُجَهّل ويُغبَن حق شاعر بهذا الثقل في حياته ليتحول إلى فيلسوف «ميديوكر» بعد مماته… ولصالح آخرين في كلتا الحالتين.
٤. «كتاب الطغرى» يظل أكبر وأقيم أعمالي في أي لغة. ورغم إحجام المؤسسة الأدبية العربية، بافتراض أن هناك مؤسسةً أدبية عربية، عن الاعتراف به أو عَدّه جديرًا بقوائم الرواية أو تواريخها خلال خمسة عشر عامًا الآن، لا ينتابني شك جِدّي في كونه إضافة تستحق الاهتمام. ومع ذلك لا أستغرب عدم الاهتمام به في ضوء الاهتمام بأشياء مثل «كذا»، إما لأن «كذا» نجح تجاريًا (كما نجحت من قبله سلاسل روايات «عبير» و«رجل المستحيل»)، أو ثبت أنه فارغ وتقليدي بما يكفي لينجح، أو لأنّ كاتبه نبغ في إدارة التربيطات المافيوية التي تحكم مشهدًا عابرًا للحدود ربما أحطّ أخلاقيًا وأقل كفاءة مهنيًا من مشهد الاتجار في البشر. حقيقتان يعوضانني عن فلوس ومدائح الأساتذة: أن مزيج العامية والفصحى الذي كُتب به «كتاب الطغرى» ولم يكن سبقه إليه سواه أصبح اليوم لغة الأدب المعتمدة لدى قطاع عريض من الشباب المبدع؛ وأن الأسئلة التاريخية التي طرحها تتجدّد وتعيد تدويرَها الأحداثُ بما يجعله مرجعية. أجمل ما يحصُل معي أن أقابل قارئًا لا أعرفه يصغرني بعشرين عامًا. و«كتاب الطغرى» هو أكثر ما أراه في يد هذا القارئ.
٥. أكثر من مرة وقد التقيت بكاتب زميل أصغر جيلًا وتطرّقنا إلى سؤال «النجاح»، كانت تنكشف لي حقيقتان. الأولى أن الأدب المصري ليس له قاعدة قراء حقيقية خارج نطاق كتّابه. (لا يُستثنى من ذلك إلا عدد ضئيل ممن تُعامَل أعمالُهم بوصفها مادة استهلاكية لأن أصحابها منخرطون في منظومة الميديا أو يتعاملون طبقًا لقواعد ربحية تُلغي أي مساحة شفافية أو تَجَاوز أو اكتشاف.) وليس هذا صادمًا كونَه الوضع القائم منذ أفول نجم آخِر جيل كتاب تمتّع بشُهرة واسعة، أي منذ صعود «جيل الستينيات» تقريبًا، يوم أصبح الأدب مجالًا مغلقًا على ذاته. أما الحقيقة الثانية فهي التي تصدمني وتصيبني بالارتباك واليأس، كل مرة: يبدو أن الكاتب المصري فعلًا لا يقرأ لكاتب مصري آخر إلا ليثبت لنفسه – وللعالم متى أمكن – أن عمل الآخَر لا يُقرأ ولا يستحق الاهتمام. الكاتب المصري يقرأ لأقرانه وقد قرر ألّا ينسجم مع المكتوب أو يرى فيه نفعًا. هذا هو الـ«باد فيث» بعينه. ومن شأنه أن يقطع الطريق ليس على الاعتراف بوجود أي كتابة غير «ما أكتبه أنا» ولكن على وجود الأدب نفسه كمِساحة تبادل وتلاقٍ من الأساس.
٦. يظل جانب من فهمي للكتابة منذ استحوذت عليّ بالصورة التي ستُرسّخها الممارسة – وذلك في عمر السابعة عشرة تقريبًا – هو أنها نشاط يُسائل ويخالف القائم، الثابت والمُدجّن، ولا يُقيم وزنًا لأي سلطة بما في ذلك سلطةُ مَن تمارَسُ السلطة عليه. ولهذا الفهم نتيجتان. الأولى هي أن الكتابة لا يمكن أن تُستَعمل في خدمة أي «قضية» سواها، فلا الاعتراض «معارضة» ولا الحركة «حراك»؛ في الأدب، يكون «الالتزام» على أحسن الفروض إما «شحتفة» أو «حنجرة» تنصاع لشيء قائم فتكرّسه والواجب أن تتمرد عليه. أما النتيجة الثانية فهي أن الكتابة يمكن أن تغيّر مَن يقرؤها، أن تعيد تكوينه أو تعبث بتركيب روحه فعلًا. إنها لا تُحقّق ذلك عبر التلاعب بغرائز وعواطف أعداد كبيرة من الناس بهدف السيطرة على سلوكهم كما تفعل البروباجندا السياسية والإعلانات التجارية أو الفن الرخيص الذي يشبههما. لكنها – بتكسير الهياكل وخلخلة الصور المهيمنة: نقض المعروف والمتعارف عليه ثقافيًا وأخلاقيًا في حياة شخص واحد – تمنح ذلك الشخص فرصة أن يعيد اختراع العالم… ويعني بالله عليك كيف تستطيع الكتابة أن تفعل ذلك طالما هي «أخلاقية» و«مهذبة» وحريصة على المشاعر والجوائز، هه؟
٧. الحقيقة أن الربيع العربي، مثل «الثورات الملونة» في منطقة النفوذ السوفيتي، وبصرف النظر عن «الثوار» والمنظرين والمستفيدين، لم يطرح أي شيء مناهض للنظام العالمي الأحادي – أنا آسف ولكن لا الإخوان المسلمون ولا جبهة تحرير الشام شيء مناهض للنظام العالمي الأحادي! – الأمر الذي جعل «الثورة» و«الثورة المضادة» خيارين أحلاهما نيوليبرالي. وانعكس ذلك على المجتمع الثقافي و«سوق الأدب» بطبيعة الحال. فبعد تفادي الحرب الأهلية في مصر لم يَبق من الحراك إلا مَساعٍ متفاوتة الحدة والتأثير لاستيراد بروتوكولات الصوابية الأمريكية داخل دوائر أضيق من خرم الإبرة، وبلا سؤال عن واقع محلي يُفقِد هذه البروتوكولات معناها على أي حال، دعك من اختبار القيم المؤسِّسة لها من مكانٍ حُر. كان من شأن هذا الاستعمار الطوعي أن يُصبح النشر موجّهًا لصالح ثقافة أجنبية دونما يزداد مهنية، وأن تُقاس الجدوى بأرقام التوزيع أو بالجوائز كمحفزات توزيع، ثم ترتفع أسعار الكتب بما يحرِم منها قراءها. وبينما «المثقفون» يحاسب بعضهم بعضًا على الجحود بـ«مبادئ الثورة»، صار التحقق الأدبي ظاهرة افتراضية مقصورة على السوشال ميديا فرأينا أبرع ما يُكتب مجهولًا وغير منشور. ورأينا مخلوقات «فيسبوكيّة» تتضخم كالخلايا السرطانية.
٨. إذا كان من فَضلٍ واضح للحراك الشعري والمسرحي الذي خلخل الثوابت على نطاق ضيق في التسعينيات، فهو كون هذا الحراك طَرَح نموذج عمل إبداعي يحرّر «المثقف» من «الالتزام» و«الاشتباك» القسري ومن موروث يقرن «الأدب» بالدور التوعوي والوقار والمكانة الاجتماعية. على هذا المستوى استدعى «جيل التسعينات» نمط «الصعلوك» و«الشاطر» لكنه، وهذا الأهم، تمرد على الإرهاب الفكري الذي ما فتئ يحوّل الأدب والفن إلى حُكم مؤبد بالدفاع عن عقائد أيديولوجية أو مواقف «أخلاقية» لا تقل تطرفًا وإقصاءً عن القناعات الغيبية، ولا استعدادًا للتخوين عوضًا عن التكفير في وجه اختلاف الرأي. (هل من غرابة حقًا في انبطاح «اليسار» المحروم من قاعدة دعم شعبية لليمين الثيوقراطي السارح نفوذه في الجماهير كالطاعون؟) هكذا كسرت التسعينيات شوكة «الثقافة» في تصريفها «اليساري» المستبد. لكن، وبحلول لحظة المواجهة سنة ١١٠٢، اتضح إلى أي مدى كانت – وهي تفعل – انزقلت في الفخ الليبرالي. فمن تحرر من الالتزام صار مضطرًا للاستعراض ومن تجاوز الاشتباك صار يسترزق. وتحولت الصعلكة نفسها إلى كارير ندلل عليه بالسي-في لدى لجان الجوائز والجهات المانحة، دونما نقترب ولو سنتيمتر واحد أكثر من قوى الشعب العامل.
٩. ما كنت لأظن كاتبًا عربيًا يعتذر عن فعالية فيها حضور إسرائيلي سنة ٦٢٠٢ موضوعًا يسترعي الانتباه، مهما كثر «الفانز» الموهومون بهذا الكاتب. ولا فهمت – بأمانة – لماذا كل هذه البوستات والأخبار مع نبرة توحي بأنه، لما لم يركب الطائرة من دولة غربية يحمل جوازها إلى دولة غربية أخرى، تمكّن من تحرير القدس. هذا الكاتب جزء من المشهد الأدبي الغربي وجُلّ هذا المشهد اليوم يقاطع إسرائيل. لكن اللافت أنه هو نفسه، أيام لم يكن الاختلاط بالصهاينة يعد تهمة هناك، أربك أولاد بلده بوضع صورته على غلاف أعماله المختارة بالعِبرية، ثم ورّم أدمغتنا بالحق في أن يُترجَم. طبعًا مر وقت كاف لمراجعة المواقف، لكن مقاطعة الفعالية الحالية لم تأت في سياق واقعة «التطبيع» ولا ذَكَرتها أصلًا. ثم إن النشر في إسرائيل وقت حدث كان المفروض أنه تماش إيجابي مع اللبرلة وتحدٍ مشروع لمحاكم التفتيش… وبصرف النظر عن اختياراتٍ فرديةٍ كلُّ واحدٍ حرٌ فيها، لا أعرف لِمَ نحتفل بشخص يكفّر عن سيئة لم يرتكبْها بحَسَنة هي الأخرى وهمية. وما علاقة دعم فلسطين بالانسحاق أمام «فاندوم» طالما تغذّت نارُها على أي حطب متاح؟
٠١. لا يكافأ الأدباء على كتابتهم بقدر ما يكافؤون على هُويةٍ يمثّلونها: «امرأة»، «أسود»، «مثلي»… هذا مبدأ معمول به في الأدب الغربي منذ عقود، لكنه اليوم أُدخل في منظومة «العدالة الاجتماعية» الربحية، تلك التي تستعيض عن أي إصلاح بنيوي من شأنه أن يُقيم العدل بتصعيد شخصية واحدة تنوب عن كل جماعة مهمشة و«التزييط» لتلك الشخصية على حساب الجماعة والكتابة كليهما. فالاحتفاء الفردي يعني الاستغناء عن أي عمل منظّم قد يأتي بالخير على الجماعة المعنية. والاختيار عادة ما يقع على كاتب «تعبان» يدافع – بفجاجة مُربحة – عن «قضية» لها سوق، حبذا لو كان يُجسّد – بمنطق «إنترسكشنالي» تقاطعي على طريقة «اشتر قطعتين والثالثة هدية» – أكثر من جماعة واحدة… صحيح أن هذه الممارسات لم تتجذّر بعدُ في عموم الثقافة العربية لكننا هنا كذلك نادرًا ما نحتفي بأحد إلا لأجل انحيازات سياسية أو شخصية لحظية، وعندنا تَسَامُح مع الرداءة وانصياع لـ«الترند» وانبهار بـ«النجومية» يختزل انتماءات بل وأشكالًا أدبية في اسم واحد لعله راج صدفة. فهل نعترف أننا نحن أيضًا منحازون لهُويات بعينها؟ وإذا اعترفنا – وربما هو الأصعب – هل نملك القدرة على تسمية هذه الهويات؟
Leave a Reply